
❗️خاص sadawilaya❗ بقلم الباحث في العلاقات الدولية والاسلامية الدكتور حسين حمية
«الناس كالناس والأيام واحدةٌ
والدهر كالدهر والدنيا لمن غلبا»
«ما جعل الله لرجلٍ من قلبين في جوفه»
فجّر العدو الإسرائيلي تلة علي الطاهر، وأتت بعدها مباشرة زيارة رئيس البلاد إلى النبطية. وما أذهلني، بعيدًا عن توقيت الزيارة المدروس نفسيًا وروحيًا، ليس هذا الأمر الذي أريد الخوض في غماره، فقد أصبح الكثير معروفًا لدى الأحرار في الأمة.
ما أريد الحديث عنه هو العواطف البشرية المتقلبة، والتحولات النفسية الأنانية لدى كثيرين من أبناء مجتمعنا، ولا سيما في ظل الضخ الإعلامي الممنهج الذي يعمل على جعل الظالم مظلومًا والمظلوم ظالمًا.
لقد أصبحنا، نتيجة الإعلام السلطوي الإقليمي والعالمي الممنهج، أمام حالة تتبدل فيها الحقائق الناصعة في نفوس البعض وتتغير معها المواقف، فتصبح قلوبهم مع المقاومة وألسنتهم عليها، ويطلبون الظفر ممن يقف مع المحتل ضد الوطن.
بين الاتجاه إلى الأرض والاتجاه إلى السماء، تُخيّل لبعض النفوس الضعيفة أن للكرامة ضريبة باهظة لا تُطاق، فتختار الذل والمهانة هربًا من هذه التكاليف الثقيلة، وتعيش عيشة تافهة رخيصة، مفزعة وقلقة، تخاف من ظلها وتفزع من صداها.
«يحسبون كل صيحة عليهم».
«ولتجدنهم أحرص الناس على حياة».
هؤلاء يؤدون ضريبة أفدح من تكاليف الكرامة. إنهم يؤدون ضريبة الذل كاملة. يؤدونها من نفوسهم، ومن أقدارهم، ومن سمعتهم، ومن طمأنينتهم، وكثيرًا ما يؤدونها من دمائهم وأموالهم وهم لا يشعرون.
ويحسب بعضهم أنفسهم وزراء وسادة ومستشارين وأزلامًا. ومنهم من يرفع صوته في الإعلام ضد السلطان، ثم يلهث من تحت الطاولة طلبًا للكلام معه والتصوير والانبطاح أمامه، ظنًا منه أنه سينال، مقابل الكرامة التي يبذلها، قربى لدى ذوي الجاه والسلطان.
وحين يؤدون ضريبة الذل وهم صاغرون، يذكّرني ذلك بقول الإمام علي عليه السلام:
«صاحب السلطان كراكب الأسد، يُغبط بموقعه وهو أعلم بموضعه».
كم من تجربة انكشفت عن نبذ الأذلاء نبذ النواة بأيدي سادتهم الذين عبدوهم من دون الله؟
وكم من رجل باع رجولته، ومرّغ خديه في الثرى تحت أقدام السادة، وخضع وضحّى بكل مقومات الحياة، وبكل المقدسات التي عرفتها البشرية، وبكل الأمانات التي أناطها الله به أو أناطها الناس به، ثم وجد نفسه في النهاية رخيصًا، هينًا، حتى على السادة الذين استخدموه كالكلب الذليل؟
أولئك السادة الذين لهث في أثرهم، ولوّح بذيله لهم، ومرّغ نفسه في الوحل لينال رضاهم.
وكم من رجل كان يملك أن يكون شريفًا، وأن يكون كريمًا، وأن يصون أمانة الله بين يديه، ويحافظ على كرامة الحق وكرامة الإنسانية؟
كان في موقفه مرهوب الجانب، لا يملك أحد أن ينال منه شيئًا، حتى أولئك الذين لا يريدون له أن يرعى أمانة أو يصون حقًا.
لكنه حين ضعف أمام تكاليف الكرامة، وتجرد من عزة الحق، وخان الأمانة، هان على الذين كانوا يهابونه، وذلّ عند من كانوا يرهبون الحق الذي كان حارسه، ورخص عند من كانوا يحاولون شراءه.
رخص حتى أعرضوا عن شرائه.
ثم نُبذ كما تُنبذ الجيف، وركلته أقدام الذين كانوا يعدونه ويمنّونه، يوم كان للحق فيه جاه، وللكرامة هيبة، وللأمانة ملاذ.
كثيرون هم الذين هووا من قمم الكرامة إلى سفوح الذل، ومن عز الحق إلى مهاوي الضلال.
إنه اللهث وراء المطامع والمطامح، والجري وراء السراب، حتى يهوي صاحبه وينزوي في السفح خانعًا، تاركًا السير في ركب الحسين، وماضيًا في قافلة الرقيق.
كان في طاقتهم أن يكونوا أحرارًا، لكنهم اختاروا العبودية ليرضوا جانب السلطان ويستظلوا بجاهه وسلطانه، مع أنهم كانوا يملكون، لو حافظوا على كرامتهم، أن يرهبهم ذوو الجاه والسلطان.
إلى هؤلاء جميعًا، وفي كل زمان ومكان، يوجّه الإمام الحسين عليه السلام كلمته في واقعة الطف.
فلينظروا في عِبر التاريخ، وفي عِبر الواقع القريب، وليتدبروا الأمثلة المتكررة التي تشهد بأن ضريبة الذل أفدح من ضريبة الكرامة.
فالذين يستعدون للموت تُوهب لهم الحياة.
«فالموت في حياتكم مقهورين، والحياة في موتكم قاهرين».
والذين لا يخشون الفقر تُرزق لهم الكفاية، والذين لا يرهبون الجاه والسلطان يرهبهم الجاه والسلطان.
«من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا».